مقالات

ماذا يعني نُزول المُحتجّين إلى الشوارع والميادين في مُدنٍ مِصريّةٍ كُبرى؟

   
28 مشاهدة   |   0 تقييم
تحديث   22/09/2019 10:46 صباحا

النبأ الصادق / متابعة

فاجَأت المُظاهرات والاحتجاجات التي انطلقت في مُدنٍ مِصريّةٍ مِثل القاهرة والإسكندريّة والمحلّة والسويس، وتُطالب بإسقاط النظام، مثلما ذكرت وكالات أنباء عالميّة مثل “رويترز” ووكالة الصحافة الفرنسيّة الكثيرين لأنّها باتت نادرةً في مِصر مُنذ تولّي الرئيس عبد الفتاح السيسي السلطة رسميًّا عام 2014 بعد انتخابات فاز فيها بنسبة 97 بالمئة.

اختلفت الآراء حول أعداد المُحتجّين، بينما قالت وسائل إعلاميّة تابعة للمُعارضة، وخاصّةً حركة “الإخوان المسلمين”، أنّ مِئات الآلاف شاركوا في المُظاهرات التي انطلقت مساء الجمعة، ذكرت بعض وكالات الأنباء عن شُهود عيان بأنّ المُشاركين كانوا بالعشَرات أو المِئات، بينما التزم الإعلام الرسميّ حالةً من الصّمت في ارتباكٍ واضح.

الجديد في هذه المُظاهرات أنّها جاءت تلبيةً لدعوة المُمثّل والمُقاول محمد علي الذي أصدر العديد من الفيديوهات على وسائل التواصل الاجتماعي من مقرّه في إسبانيا، اتّهم فيها الرئيس المصري والجيش بتبديد المال العام في مشاريع لا طائل منها من بينها تشييد قصور رئاسيّة، الأمر الذي دفع الرئيس السيسي إلى الرّد على هذه الاتّهامات المُوجّه إليه والمؤسّسة العسكريّة، بالقول إنّه أمين ومُخلص وشريف وفوق كُل الشّبهات، وأنّ هذه الاتّهامات كذِب وافتراء، ولكنّه اعترف بتشييد القُصور، وقال إنّها لمِصر وليست لهُ شخصيًّا.

ردّ الرئيس السيسي على هذه الاتّهامات التي طالته والمؤسسة العسكريّة التي يرى الكثيرون داخلها في مِصر أنّها فوق الشّبهات، كان غير مسبوق، فربّما هي المرّة الأولى التي يرُد فيها رئيس جمهوريّة على فيديوهات تَصدُر عن صوتٍ مُعارضٍ مُقيم خارج مصر، والتّفسير الأهَم أن مُشاهدتها من قبل المَلايين في مِصر، وشِبه الغِياب الكامل للإعلام الرسمي، وتراجُع فاعليّته وتأثيره ربّما دفعاه إلى ذلك، حسب رأي مُراقبين اتّصلت بهم “رأي اليوم” داخل مِصر وخارجها.

حملة الاعتقالات الواسعة التي شمِلَت بعض المُحتجّين، علاوةً على خُفوت حدّة الاحتجاجات اليوم السبت، ونُزول قوّات الأمن إلى الشوارع والميادين الرئيسيّة في المُدن الكُبرى، كلها عوامل دفعت الرئيس السيسي إلى المُضي قُدمًا في زيارته لنيويورك لحُضور اجتماعات الجمعيّة العامّة للأُمم المتحدة، وعدم قطع هذه الزّيارة والعودة إلى مِصر في إشارةٍ إلى اطمئنانه على استتباب الأمن في البِلاد.

ما زالَ من غير المعروف ما إذا كانت هذهِ الاحتجاجات ستستمر وتتوسّع على غِرار ما حدث مع نظيرتها في كانون الثاني (يناير) عام 2011، ولكنّها تظل جرس إنذار للمؤسّسة العسكريّة الحاكمة فعليًّا في مِصر يجِب أخذها بكُل جديّة، لأنّ الأوضاع الداخليّة في مِصر تشهد حالةً من الاحتقان، خاصّةً في أوساط الطّبقات الشعبيّة المَسحوقة نتيجة الغلاء الفاحش، وارتفاع مُستوى المعيشة، وانخفاض سقف الحريّات، والتعبيريّة خاصّةً، واشتداد القبضة الحديديّة وقمْع المُعارضة.

أنصار النظام، والمُدافعين عنه، يُبرّرون سياسة القبضة الحديديّة هذه بأنّها ضروريّة لاستتاب الأمن وتحقيق الاستقرار، وهُما عامِلان ضروريّان لنجاح خُطط التنمية الاقتصاديّة، وتدفّق الاستثمارات على مِصر، وإنقاذ صناعة السياحة التي تُعتَبر من أعمدة الدخل الرئيسيّة للخزينة المِصريّة.

المُواطنون المِصريّون، الذين يعيش حواليّ 40 بالمئة منهم تحت خط الفقر، طال صبرهم انتظارًا لتحسّن الأوضاع المعيشيّة، والخدمات العامّة الأساسيّة، من ماءٍ وكهرباء وصحّة وتعليم دون جدوى، وتجاوب بعض المِصريين مع نداءات الاحتجاج ربّما يكون بداية “التّململ”، لكسر حالة الصّمت التي استمرّت طِوال السّنوات الخمس الماضية على الأقل، فثمرة الإصلاحات الاقتصاديّة التي تتحدّث عنها السّلطات، وتعتبرها إنجازها الأبرز، لم تَصِل إلى الفُقراء حتّى الآن، مع النّظر إلى زيادة الدين العام وارتفاع مُعدّلات البِطالة في الوقت نفسه وانخِفاض الأُجور.

احتجاجات الجمعة، سواء كانت صغيرةً أو كبيرةً، تأتي أهميّتها في تمرّد بعض المِصريين في الوضع الراهن، وكسرهم حالة الخوف السائدة بسبب القبضة الحديديّة، وقسوة الاعتقالات واتّساع نِطاقها، وغِياب الإجراءات القضائيّة المُستقلّة، وإذا لم تأخُذ السّلطات المِصريّة هذه الاعتبارات في الحُسبان فإنّ النتائج ربّما تأتي عكس تمنّياتها، وجُهودها، في تحقيق الأمن والاستقرار المَنشودين.

الغالبيّة السّاحقة في مِصر لا تُريد غرَق البِلاد في تجارب مُؤلمة مِثل تلك التي سادت سورية وليبيا، وأدّت إلى مذابح وحمّامات دماء وتهشيم مؤسّسات الدولة، ونشر الخراب، ولكنّه يجب الأخذ في الاعتبارات أنّ الثورات المدنيّة السلميّة التي اندلعت في الجزائر والسودان صحّحت هذه التّجارب بشكلٍ، أو بآخر، وقدّمت بديلًا أعطى ثماره الديمقراطيّة بأقلّ الخسائر، بِما في ذلك تغيير الأنظمة.

السلطات المِصريّة يجِب أن تستفيد من تجربتيّ السودان والجزائر، من حيثُ التّجاوب مع المطالب الشعبيّة المشروعة في الحِوار الذي يُؤدّي إلى المُصالحة الوطنيّة، والإصلاح السياسي، والعفو العام، وعودة مصر إلى دورها الرّيادي القِيادي في المِنطقة الذي غابت عنه، أو غُيّبت عنه، فنحنُ في هذهِ الصّحيفة مع أمن مِصر واستقرارها وكرامتها الوطنيّة، ولا نرى أيّ قيادة للأُمّة نحو بر الأمان بدونها.

نُدرك جيّدًا أنّ هُناك قِوى خارجيّة لا تُريد الاستقرار والأمن في مِصر، ولكن لا يُمكن مُواجهة هذه القِوى بالجُمود، و”خِيار صفر”، أيّ عدم التحرّك لامتصاص الاحتقان، وبِدء الحِوار، وتوسيع دائرة المُشاركة في الحُكم، وقطع دابِر الفساد من جُذوره، ورفع سقف حريّات الإعلام الداخلي وتعزيزه بالكفاءات بعيدًا عن المَحسوبيّة بِما يُؤهّله لكيّ يكون على مُستوى الإعلام الخارجيّ، إن لم يكُن أقوى.

نحنُ نُحِب مِصر، مِثل مُعظم العرب، إن لم يكُن كلهم، ونريد عودتها إلى دورها الرّيادي القِيادي على أساس الثّوابت العربيّة، وتكريس الوحدة الوطنيّة، والتصدّي للمشروع الإسرائيلي الذي يُشكّل تهديدًا لمِصر والمِنطقة بأسرها، لأنّنا نُحِب مِصر، لا نتردّد في تنبيه مُؤسّستها الحاكمة إلى ضرورة الاستفادة من تجارب دول الجِوار، السودان والجزائر من حيثُ حتميّة التّجاوب مع المطالب الشعبيّة المشروعة في الحِوار والديمقراطيّة والإصلاحات السياسيّة، وتحقيق المُصالحة الوطنيّة والإصلاح السياسي، وقطع دابِر الفساد والفاسدين والمُنافقين والانحِياز للفُقراء والمَعدومين.. فهل تفعَل؟




تنويه ... الآراء المنشورة في الوكالة تعبر عن رأي اصحابها .. ولاتعبر في الضرورة عن رأي الوكالة.... معتمدة لدى نقابة الصحفيين العراقيين .. تسلسل الاعتماد ١٧٠٤... للمزيد من المعلومات او التواصل معنا على الايميل التالي :- info@nbs-news.com يمكن لجميع متابعينا تحميل تطبيق "وكالة النبأ الصادق" واستخدامه بعد أن أصبح متاحا على نظام "اندرويد" من خلال الرابط الآتي: https://play.google.com/store/apps/details?id=com.nbs_news.newsapp
3:45