تقارير

عن الطاقة كـ”سلاح”دفاعي .. مسار الغاز الروسي من سيبريا الى واشنطن !

النبأ الصادق / تقرير / عباس الزين 

من يمتلك السيادة على مصادر الطاقة الموجودة لديه، يتحكم في قراره السياسي، وفي قرار دول أخرى أيضاً. هذا ما تُظهره العلاقات الدولية في السنوات الأخيرة، إذ باتت الطاقة، ولا سيما في مجالَي الغاز والنفط، سلاحاً جيوسياسياً تستخدمه القوى العالمية، إما دفاعاً عن نفسها، وإما هجوماً ضد خصومها.

أبرز ما يدور الحديث عنه في الآونة الأخيرة، هو قضية الغاز الروسي المتجه نحو أوروبا، والاتهامات الغربية لروسيا بابتزاز دول الاتحاد الأوروبي سياسياً استناداً إلى ذلك. ولعلّ الأزمة الأخيرة بين بيلاروسيا ودول أوروبية حول المهاجرين، وما سبقها من عقوبات أوروبية على مينسك، والأزمة الأوكرانية المستمرة، إضافةً إلى أزمة ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا، تعطي لمحة عن الغاز الروسي وأهميته بالنسبة إلى دول الاتحاد وتأثيره أيضاً.

وفي هذا المجال أيضاً، تبرز تساؤلات عديدة عن قدرة الدول الأوروبية على الاستغناء عن الغاز الروسي كعامل سياسي ضاغطٍ عليها، والتفلّت من تحكّم موسكو في الإمدادات.

الغاز الروسي.. من سيبيريا إلى أوروبا

في أيلول/سبتمبر الماضي، تحدث رئيس مجلس إدارة شركة "غازبروم" الروسية، أليكسي ميللر، عن مشاريع الشركة الروسية. ميللر ذكر أن احتياطيات الغاز في روسيا هي الأكبر في العالم، وستكفي لأكثر من 100 عام، وأن "غازبروم" استثمرت فقط "ربع احتياطي حقلين كبيرين للغاز في شرق سيبيريا".

تعتبر الدول الأوروبية أكثر المناطق اعتماداً على الغاز الذي يُستخدم لتزويدها بخُمس طاقتها، لكنَّ معظم إمداداتها يأتي من خارج الاتحاد الأوروبي، وعلى وجه الخصوص روسيا. وتقول صحيفة "فايننشال تايمز" الأميركية إنَّ معظم صادرات الغاز الروسي تدفّق إلى أوروبا بعد تفكّك الاتحاد السوفياتي، وذلك عبر البنية التحتية الموجودة في خطوط الأنابيب في أوكرانيا، لكن في العقود الـ3 الماضية، ولأسباب سياسية، سعت شركة "غازبروم" الحكومية إلى "تنويع شبكة الغاز، وتقليل اعتمادها على جارتها أوكرانيا، ومد خطوط أنابيب جديدة".

في العام 1997، بدأ العمل على خط أنابيب الغاز عبر "يامال – أوروبا"، الذي يمر عبر أراضي 4 دول، هي: روسيا وبيلاروسا وبولندا وألمانيا. ومنذ العام 2003، قامت روسيا بتصدير الغاز إلى أوروبا عبر خط أنابيب "بلو ستريم" تحت البحر الأسود. وأوجدت روسيا طريقاً رئيسياً آخرَ بعيداً عن أوكرانيا في العام 2011 عبر بحر البلطيق، من خلال خط أنابيب "نورد ستريم 1". وفي العام 2020، بدأ تشغيل خط أنابيب في البحر الأسود، هو "تورك ستريم"، بالتعاون مع تركيا. وفي أيلول/سبتمبر الماضي، أعلنت شركة "غازبروم" الروسية أنَّ بناء خط أنابيب "نورد ستريم 2"، الذي يمر تحت مياه بحر البلطيق أيضاً ويربط روسيا بألمانيا، "أُنجز بالكامل".

ومؤخراً، أبرمت شركة "غازبروم" الروسية عقداً مع هنغاريا لتزويدها بالغاز حتى العام 2036، بحيث سيتم توريد الغاز الروسي إلى هنغاريا من دون المرور بالأراضي الأوكرانية، وهو ما وصفته كييف بأنه "ضربة"، فيما علّقت هنغاريا على الأمر بالقول إن "مسار التوريدات يحدده من يمتلك الغاز".. وهنا أصل القضية ومكامن قوة روسيا في استخدام غازها، ولا سيما أن أوكرانيا التي يحكمها نظام معادٍ لروسيا بدأت تخشى على دورها كبلد عبور للغاز الروسي إلى أوروبا، وما يحققه لها ذلك من منافع اقتصادية وسياسية.

لماذا تعتمد أوروبا على الغاز الروسي؟

وفرت شركة "غازبروم" الروسية وحدها ما يقارب ثلث إجمالي الغاز المستهلك في أوروبا في العام 2020، ومن المرجح أن "تصبح مصدراً أكثر أهمية على المدى القصير، إذ تقلص القارة الإنتاج المحلي"، وفق "بلومبيرغ"، فيما تشكل الإمدادات الخارجية، ومعظمها من روسيا والنرويج والجزائر، حوالى 80% من الغاز الذي يستهلكه الاتحاد الأوروبي، لكن اعتماد الدول الأوروبية على الغاز الروسي بشكلٍ أكبر يعود بشكلٍ أساسي إلى عوائق لوجستية تحول دون قدرة بعض الدول الأوروبية على استخراج الغاز.

على سبيل المثال، إن حقل غاز "غرونينجن" الهولندي الذي تم اكتشافه في العام 1959، وهو الأكبر في أوروبا، جعل هولندا أحد المنتجين الرئيسيين في الاتحاد الأوروبي، لكن عملية استخراج احتياطيات الحقل أدت بشكل متزايد إلى حدوث زلازل. ودمرت هزة بلغت قوتها 3.6 درجات في العام 2012 آلاف المنازل، ما أدى إلى قرار تقييد الإنتاج. وسيتم إغلاق الحقل في العام المقبل.

أمّا بريطانيا التي كانت تصدّر الغاز خلال العقود الماضية، فإن احتياطاتها في بحر الشمال بدأت بالتضاؤل، إذ إن حوالى نصف الطلب على الغاز في المملكة المتحدة بات يتم عن طريق الواردات. ويأتي معظم غاز بريطانيا عبر خطوط أنابيب من النرويج، وهي أكبر منتج في القارة حالياً بعد روسيا، فيما تعاني حكومتها ضغوطات لوقف استخراج الغاز أو تخفيفه، لما في ذلك من أضرار بيئية، ولا سيما بعد منحها تراخيص تنقيب في القطب الشمالي.
الغاز.. سلاح دفاع روسي

اعتمدت السياسة الغربية خلال العقود الماضية على استراتيجية السيطرة على مصادر الطاقة والتحكم فيها، من الاستخراج والإنتاج، وصولاً إلى الإمداد، إما بطريقة مباشرة وإما من خلال دعم أنظمة موالية لها. هذه السياسة كانت المدماك الأساسي للهيمنة الغربية، وكانت أيضاً محور الصراع على الساحة الدولية، من الشرق الأوسط إلى شمالي أفريقيا بشكلٍ أساسي. لذا، إن النظرة الأوروبية – الأميركية إلى مصادر الغاز الروسي تنطلق من كونها "غازاً سيادياً" تمتلك موسكو القدرة على حمايته والدفاع عنه إنتاجاً وإمداداً، في الوقت الذي فشل الغرب في إحداث أي تغيير أو تأثير في هذا الملف أو الضغط على روسيا بشأنه.

لا شك في أن الدول الأوروبية، ونتيجة كونها مكبلة في العديد من المواقف السياسية، منزعجة من اعتمادها على الغاز الروسي، وهي في حال وجدت بديلاً يضمن لها مصالحها الاقتصادية، ستذهب باتجاهه، وهذا ما يثبته دعم الاتحاد الأوروبي لمشاريع أميركية بديلة ذُكِرت آنفاً، بحيث ستكون هذه الدول أكثر قدرة على مواجهة ما تراه "نفوذاً" روسياً في القارة وخارجها، وستكون قادرة على فرض المزيد من الضغوط السياسية والاقتصادية على موسكو.

بناءً عليه، إن "الغاز الروسي"، بما يمثله وما يفرضه في النظام الدولي، يظهر كسلاحٍ تدافع فيه روسيا عن مصالحها وأمنها أمام السياسات الأوروبية المعادية، والتاريخية بطبيعة الحال، فالمشهد كان سيكون مختلفاً، من أوكرانيا إلى بيلاروسيا والبحر الأسود وغيرها من الجبهات، لو كانت أوروبا قادرة على الاستغناء عن "غاز سيبيريا"، فيما تتحرك الدول الأوروبية تحت مقولة "الحاجة إلى الغاز قذرة"!

وبين هذا وذاك، لا تزال المحاولات الأميركية في إقناع الدول الأوروبية بالبديل عن الغاز الروسي متأرجحة بين خلافات أوروبية داخلية تمنع السير بها، وصعوبات وعوائق سياسية ولوجستية. وفي الحالتين، تطوِّع موسكو الاختلال في العلاقات الدولية لمصلحتها، وتستغل الثغرات التي تتركها أميركا خلفها من آسيا الوسطى إلى القوقاز وشرق المتوسط، فيما المصالح والأولويات في الساحة الدولية باتت تحدد وفق الجغرافيا الحيوية، لا وفق ما يريده الكونغرس الأميركي.

والعجز الأميركي عن فرض بدائل لا يتعلق فقط بالأسواق، بل بتراجع قدرة واشنطن على إحداث تغيرات في مجال الطاقة تلائم مصالحها. وهكذا، إن أنابيب الغاز الروسي المنطلقة من سيبيريا تغذّي السوق الأوروبية كمسار سياسي – اقتصادي، وتستهدف نفوذ واشنطن وأحاديتها كمسار استراتيجي.

*الغاز الطبيعي المسال هو سائل صافٍ، عديم اللون، وغير سام، يتشكّل عند تبريد الغاز الطبيعي بـ-162 درجة مئوية (-260 درجة فهرنهايت). تعمل عملية التبريد على تقليص حجم الغاز 600 مرة، ما يجعل تخزينه وشحنه أسهل وأكثر أماناً. وعندما يصل الغاز الطبيعي المسال إلى وجهته، يتم تحويله مرة أخرى إلى الحالة الغازية في محطات إعادة تحويل.

Hits: 310

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى