مقالات

تركيا: ديمقراطية الإلغاء.. والتعصب القومي!

بقلم محمد خروب
فيما ينتظر المواطنون الاتراك، كما رهط المراقبين من الدبلوماسيين والأجهزة الاستخبارية وخصوصاً أحزاب المعارضة التركية، ما الذي سيُسفر عنه اجتماع المجلس العسكري الأعلى في تركيا، الذي سيلتئم في القصر الجمهوري – لأول مرة – بعد ان كان يعقد منذ انشائه في رئاسة الاركان وتم تقديمه على عجل بأمر من الرئيس التركي الذي يبدو في عجلة من أمره لاستكمال انقلابه «المدني الشامل»، الذي لم يعد احد في العالم، كما في داخل تركيا, يشك بأنه كان جاهزاً وانه ينتظر الفرصة الملائمة للقيام به وها هي حكاية ال»لا» انقلاب، التي جاءت «هبة من الله» على حد وصفه ,التي يظن انه ستُمكِّنه من صناعة تاريخ جديد لتركيا, يوازي, ان لم يفوق, ما كان صنعه مصطفى كمال ولكن من منظور علماني، فيما اردوغان يؤمن بأيديولوجية إسلاموية شعبوية تغرف من معين عثماني قومي استعلائي يصل في بعض رؤاه الى درجة عالية من الفاشية والعنصرية التي تنظر الى «الاجناس» الاخرى من قوميات وألوان وثقافات نظرة فوقية وترى فيها درجة من الدونية, لا تتساوى او تقترب, مما تُشكله العثمانية الجديدة من مجد وإرث عظيمين.
نقول: في انتظار القرارات التي سيتخذها المجلس العسكري والتي يتوقع ان تكون المزيد من اجراءات «الهيكلة» للقوات الأمنية، وتسريح «نصف» الجيش التركي بأذرعته المختلفة، كي يصبح عديده في حدود الثلاثماية ألف عنصر (هو الآن يصل الى ستماية ألف عسكري)، فإن الضجيج الذي ما تزال اصداؤه تتردد في الوسطين الحزبي والسياسي التركيين, يعلو على كثير من الاحداث المتسارعة في بلاد الاتراك، وبخاصة في الحديث عن «..توحّد التيارات السياسية كافة, في مواجهة التنظيمات السياسية (السريّة) ممثلة في حركة الخدمة او ما يوصف بالكيان الموازي».. لم يتوقف المُروِّجون لسردية متهافتة كهذه, بل ذهبوا ابعد من ذلك عندما زعموا بأنه «لأول مرة في تاريخ الجمهورية التركية, انقلب الصراع من صراع بين يمين ويسار او علمانيين كماليين موالين للغرب, واسلاميين مُشكّكين، الى نضال مشترك للدفاع عن الديمقراطية وتعزيز دولة القانون في سبيل منع اي محاولة «انقلابية» اقله بحسب الخطاب الرسمي في (جميع) الاحزاب التركية المُمثَّلة في البرلمان.
هل قلتم جميع الاحزاب؟
نعم، اذ ان رواية غير دقيقة كهذه (حتى لا نقول كاذبة) يجري تسويقها الان, للايحاء بان المعارضة التركية «كافة» التقت مع حزب العدالة والتنمية الحاكم في «رؤيته» للراهن التركي المأزوم والمتمادي، رغم كل ما يجري الترويج له والإيحاء بان الامور في تركيا «ممسوكة» وان مطاردة المتورطين في ال»لا» انقلاب، متواصلة ولن تتوقف, وان «التطهير» بات سياسة ثابتة، لا رجعة عنها، وصولا الى كتابة دستور جديد للبلاد بمشاركة حزب الشعوب الديمقراطي (الذي يُوصف بانه الذراع السياسية لحزب العمال الكردستاني التركي PKK المُصنّف… «إرهابي»).
هنا تكمن عملية الخلط والتغطية المقصودة على سياسة الالغاء والتعصب القومي التي تدار بـ»كفاءة» لافتة ضد المُكوِّن الكردي في الفسيسفاء التركية الاثنية والعِرقية والمذهبية، اذ ان اردوغان وحزبه – كما المُعارضة ذات النَفَس القومي الرجعي والمتمثلة في حزب الحركة القومية برئاسة دولت بهجلي – لا ترى في الكرد سوى عنصر تخريب وازعاج، رغم ان حزب الشعوب الديمقراطي بما هو آخر نضالات الكرد الاتراك»الناجحة» في التمثيل السياسي, بعد عقود من الإغلاق وملاحقة النواب المُنتخبين وزجّهم في السجون وطردهم من البرلمان، لا يعدو في نظر الاسلامويين كما القوميين المتعصبين, سوى عنصرا من عناصر «الديكور» المُصمّم لديمقراطية مُفصّلة على قياس هؤلاء, ولم تكن دعوة اردوغان ، الى انتخابات مبكرة في تشرين الثاني الماضي بعد ان عجز حزب العدالة والتنمية عن تحقيق الغالبية التي تُمكِّنه من تشكيل حكومة من لون واحد (دع عنك حلم الحصول على ثلثي المقاعد من اجل تغيير الدستور بدون اللجوء الى الاستفتاء الشعبي المحفوف بالمخاطر) سوى التعبير الاوضح عن مدى ضيق صدر اردوغان وغضبه من النجاح الذي سجّله حزب الشعوب عندما فاز بـ13% من المقاعد(80مقعداً).
لهذا لم يكن مفاجئا وضمن نظرية «الديكور» الديمقراطي, بأن «يُسمح» لممثل حزب الشعوب الديمقراطي القاء كلمته امام البرلمان بعد الانقلاب للايحاء بان مكونات المشهد الحزبي التركي متضامنة ومتكافلة وفي خطاب مُوحّد, في رفض محاولة الانقلاب ، بل تم الترحيب بحزب الشعوب كي «يُوقِّع» على البيان «الرباعي» الذي صدر عن «جميع» الاحزاب المتواجدة في البرلمان، وبعد ذلك تمت العودة الى اسطوانة «ان حزب الشعوب هو الذراع السياسية لحزب العمال الكردستاني PKK» وقد ظهر ذلك بوضوح عندما لم تُوَجِّه الرئاسة التركية الدعوة الى الحزب, الذي يحوز على اكثر من 10% من مقاعد مجلس النواب (59 من مجموع 550 نائباً) بأن يحظى بالجلوس بين يدي السلطان العثماني الجديد ورؤساء الاحزاب الثلاثة الاخرى, يلدرم «العدالة والتنمية» كمال يلتشدار اوغلو «الشعب الجمهوري» ودولت بهجلي «الحركة القومية»، رغم ان الاخير يحتل المرتبة الرابعة في عدد المقاعد (40 مقعداً). فهل هذه الديمقراطية التي يتغنى الاسلامويون في تركيا وخصوصاً في بلاد العرب… بها؟

Hits: 0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى