مقالات

مملكة النمل

كريم الانصاري
  اليوم حللتُ ضيفاً على بعض الأقارب في بستانٍ لهم في إحدى القرى الخضراء الجميلة .. وأنا مستلقٍ أُحاول استراق الغفوة وإذا بالجدار الجانبي لإحدى الشرف ، ذي اللون الأبيض المسقّف بخشب الأشجار والمبطّن بالقصب السميك ، قد شغلني وأثار انتباهي ماخُطّ عليه من مسيرٍ منتظم جميل رائع رسمته حركة النمل ذهاباً وإياباً من المبدأ حتى المقصد وبالعكس.. لأكثر من نصف ساعة تابعت حركة النمل فلم أرَ نملة واحدة تشذّ عن المسير ، وإن خرجت منه خطأً فسرعان ماتعاود الالتحاق بالركب لتكمل المهام .. وبالرغم من سعة الجدار الأبيض لكنّ النمل اتّخذ مسيراً محدّداً ضيّقاً ، بحيث رأيت النملة تصطدم أحياناً بالأُخرى ولكن دون تعثّر و توقّف وتشابك وتعارك وسقوط  .. يبدو أنّ العملية هي العملية المعروفة بالحملة السنوية المعتادة لجمع المؤن لفصلي الخريف والشتاء الآتيين ..
لاأدري لِمَ نقلتني هذه الانتباهة إلى عالمنا نحن بني الإنسان ، إلى الأرض التي نحيا عليها ، إلى البلد والمدينة والمحلّة والشارع والزقاق والبيت الذي أعيش فيه ، إلى مفاهيم العدل والحرّية والإيمان والوحدة والتكافل والتواصل والحبّ والألفة  والأمن والحياة والعلم  … إلى كلّ ماندّعيه من قيم ومبادىء وأُصول وقوانين وإخلاق ..
مابين الحالتين : مابين خارطة طريق النمل وتلك الحركة الدؤوبة والمسيرة التكاتفية المنتظمة الهادفة  نحو البقاء والحياة .. وبين المفاهيم الإنسانية المذكورة أعلاه .. تداعت في ذهني ظواهرنا الصوتية ، قشورنا البالية ، مسارحنا الاستعراضية ، وهم أصنامنا  ، حربائيّتنا ، ببغائيّتنا، نفاقنا ، خداعنا ، خياناتنا، أكاذيبنا ، إرعاباتنا ، تضليلاتنا ، براغماتيتنا ، دوغمائيتنا     ، تزلّفاتنا، غطرستنا ، استبدادنا … والقائمة تطول .
فوقفت محترماً مشرئبّ العنق لمملكة النمل وما نبّهتني عليه وعلّمتني إيّاه من دروس وعبر في معاني الإيمان والنظم والأخلاق والأُلفة والوئام والسعي النبيل نحو المقاومة والبقاء في ظلّ حياةٍ ملؤها التواصل والتراحم والتكاتف المثير..
ثم طأطأتُ رأسي خَجِلاً إثر كوني أنتسب إلى أشرف المخلوقات لكنّي أُمارس مايجعل مملكة النمل أرقى وأشمخ منّي .. بل هي التي تعلّمني !!
  تذكّرت من جملة ماتذكّرت مظفّر النوّاب في خالدته الشهيرة " القدس عروس عروبتكم " حين يقول : وحتى … النملة تعتزّ بثقب الأرض … أمّا أنتم …
 تذكّرت كثيراً ولازلت أنسى كثيراً .. لِأكُنْ شفّافاً واقعياً : بل أتناسى وأتغافل وأتصنّع وأُواري أكثر .

Hits: 0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى