ثقافة

خرق الذاكرة

شذى احمد
المسافات بعيدة. والطرق وعرة. الحواجز بينهما صارت اكثر حدة ،واشد قساوة. في بيتها القديم حيث النخلة العالية، والعصافير الصاخبة. بركة الماء العذب. ورائحة الطين التي ترطب القلب في ايام اللهيب باعذب المشاعر وتمدها بالقوة

ذلك الحنين الذي صار يوجع كجرح ندي. يجر في اثره الف جرح يتعاونون لانهاك جلدها فتنهمر الدموع من عينيها كحجارة تفتت الى حبات رمل حارقة

جلست على المقعد الخشبي بعدما ضاعت بين الشوارع والاسماء والطرقات. هكذا بكل بساطة رغم سهولة الاستدلال على كل عنوان بحسن التنظيم والترتيب .والنظام الصارم والمتقن لتقسيم المدن والشوارع والعناوين في البلد المضيف

انتصف النهار وهي ما زالت تبحث. تتحشرج الكلمات في حلقها عندما تعيها الحجة وهي تستدل على العنوان الذي تنشده. لكنها لا تصل لنتيجة . ربما لسوء فهمها لللغة ام بسبب ارتباكها الذي راح يزداد كلما فشلت في الاستدلال عنه

جلست على المقعد الخشبي في احدى الحدائق العامة التي تزخر بها المدينة ، عيناها المنهكتان كادتا تذرفان دموع الغضب والخذلان.., والاحساس بقلة الحيلة . وحيدة الا من بعض اللازم الذي لا تملك سواه لكي تواصل . اجالت بنظرها محاولة ترتيب ذاكرتها فوقعت عينيها على نصب عجيب يزين المتنزه … هذه الحدائق العامة لحالها قصة. كم فكرت بها وتمنت لو قصت بعض تفاصيلها للاهل هناك

ذلك النصب لم يكن الا حيوان وحيد القرن صنع على الاغلب من النحاس لكن ليس ذلك ما اثار دهشتها بل تلك الخرق التي غلفته . هذه الموضة سارية المفعول هنا في كثير من المدن. ينجزها شباب متطوع يأتي من دول اوربية متعددة لتزين هذه المدينة وتلك. بلا مقابل مادي ولا حتى تكاليف سفر. فقط هكذا من اجل اوربا اجمل
نسيت للحظة كل شيء وراحت تطلق العنان لذكرياتها. هذه الخرقة تشبه فستاني الذي اشتريته ذات مرة في العيد الكبير. وهذا اللون والنقشة كانتا المفضلتين لأختها. كم احب زوجها اللون هذا ، واغرقها بالقبل يوم جعلت كل ستائر البيت تزدان به. احس وقتها وعيناه تنطقان بالحب بانه حظي باحب واخلص زوجة . وتلك القطع المبعثرة كانت الاقمشة التي صنعت منها ملابس صغارها يوم كانوا لا يعترضون ،ويفرحون بما تلبسهم اياه!!. كان كل شيء جميل .. سبحت بذكرياتها في بحور الذكريات وغرد لها عصافير الحديقة المهملة في بيتها القديم. وتسلل خنجر الذكريات لقلبها بغتة وهي تتذكر كيف مضى كل هذا. كيف تهدمت جدران البيت بالقذائف ،وتعرى من سقفه بعد سطحه الذي كان يردد احلى اغاني الصيف ولياليه

تذكرت كيف داهموا البيت بعد خرابه . وكل الالوان عفرها التراب والبارود. كيف وقفت حائرة عاجزة عن اطفاء حرائق ثياب البيت وستائره والوانه التي كانت يوما ما زاهية كطلتها

تذكرت كيف احرقوا ما تبقى ومسحوا به الغبار عن بنادقهم . ثم انحدروا اكثر ليزيلوا الغبار من على بساطيلهم المعفرة بالدم والتراب ..بالرماد
..والبارود

كانت حرائق الخرق المعفرة بغطرسة المتسللين من المحتلين والمليشيات والدخلاء كلهم على حد سواء تقض مضجعها ،وتخيفها من مجرد النظر في مرآة الذاكرة

لكنها هاهنا كل خرق الذاكرة منسقة ، منظمة مصفوفة ..خيطت بعناية على جسد وحيد القرن الصامت هذا

لكن الفرق بينهما ان تلك كان لها الف وتر ووتر. تعزف كلما شاءت الحانها الموجعة. اما هذه فلها قلب من رخام , ظهر من نحاس. وحكايا شابة تفرح الخضرة قبل الزائرين وتملأهم بذكرى واحدة.. بهجتها .

Hits: 0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى