مقالات

نقد الديمقراطية

حميد حبيب المالكي
شأنها شأن باقي الافكار والنظريات والمفاهيم والايديولوجيات فإن الديمقراطية مع ما لها من محاسن ومزايا كثيرة الا انها نالها نصيب من النقد وهو نقد لا يمكن تجاوزه او تجاهله، فالديمقراطية كمفهوم يكاد يكون الاكثر اعمالا ونقاشا منذ النصف الثاني من القرن العشرين لانه انتقل من كونه فكرة الى تطبيق وتطبيق على مستوى واسع وشامل لان الديمقراطية ما عادت فكرة او مفهوم او نظرية في بطون كتب السياسة وانما تحولت الى التطبيق العملي في النظام السياسي واختلفت تطبيقاتها والرؤى بشأنها وكيفياتها باختلاف الدول والمجتمعات والازمان والبيئات وغيرها من العوامل.
الديمقراطية اليوم منهج وطريقة حياة، ومن لا يحمل القيمة الديمقراطية في عقله وخياله لا يمكنه من تطبيقها او تبنيها لانه مهما حاول لن ينجح وسيكون ديمقراطي شكليا، ففي النظم الديمقراطية العريقة تمكنوا من استخدامها في مختلف الجوانب، في السياسة والاقتصاد، في العلم وخدمة الناس، في القوانين وغيرها، ومفهوم او نظرية بهذا الشمول وهذا الانتشار لاشك انها ستتعرض لانتقادات واختلافات بشأنها، ولن نعود في الانتقادات الى النظم القديمة من الديمقراطية وسنركز على النقد للنموذج الحالي للديمقراطية وهي الديمقراطية الغربية.
اما النقد العلمي والمنهجي الذي يتم النقاش فيه اليوم فاخذ منحى اخر وحيثيات اخرى، ويستهدف هذا النقد جانبان من جوانب الديمقراطية اولهما هو نقد الاساس الفكري والفلسفي لمفهوم الديمقراطية والنقد الاخر استهدف تطبيقاتها وواقعها.
اولا:من الجانب الفلسفي ،نعلم ان ابسط تعريف للديمقراطية والاكثر استخداما هو ((حكم الشعب لنفسه)) اي ان الحكومة التي تحكم الشعب تكون منتخبة من قبل الشعب وبالتالي ممثلة لارادته فيكون الشعب هو الحاكم، وهذا يعني تطابق الحكام والمحكومين لان الشعب الذي يشكل الحكومة سيخضع هو لتلك السلطة وهذا يجعل من القوة التي تحكم هي قوة يخضع لها الافراد بمحض ارادتهم فلا وجود لقوة عليا امرة حاكمة تصدر القرارات وتستخدم وسائل القهر لتطبيق القرارات والقوانين ـ ونحن ما زلنا نتكلم من وجهة نظر فلسفية ـ لان من يصنع القرار بارادته يمكنه الانحلال من ذلك الخضوع متى شاء.
بهذا الاتجاه فأن الديمقراطية تعني وحدة صاحب السلطة وموضوع السلطة اي تطابق الحكام والمحكومين ،فالسلطة الديمقراطية تكون ملازمة للشعب وليست خارجة عنه فالحكم يعود للشعب وهو صاحب السلطة بنفس الوقت يكون موضوعا لها لان مجال ممارسة السلطة وموضوعها هو ذلك الشعب نفسه، وهنا يقع التناقض فكيف يكون صاحب السلطة موضوعا لها في الوقت نفسه .
فالسلطة السياسية التي تتضمن فرض ارادة لا يمكن ان تصدر عن اولئك الذين يخضعون لها لانه لا يمكن للارادة ان تأمر نفسها ، لان ذلك يؤدي الى ان تقوم السلطة بتقييد ذاتها بذاتها وهذا يحجم السلطة ويقوضها ويفقدها اهم صفة وهي انها تمتلك وتستخدم الوسائل المشروعة للقسر والاكراه لتطبيق القانون عند اقتضاء الحاجة، بمعنى اخر ان السلطة بمعناها السياسي المعروف ستنتفي ولن يعود لها وجود كسلطة امرة عليا.
اما لو حاولنا اخذ الموضوع من منظار اخر وذلك بجعل محل تركيزنا هو الفرد ذاته، من ان الفرد يصنع السلطة كفرد ويخضع لها كفرد فلن يختلف النقد من حيث كيف يكون الفرد حاكما ومحكوما في آن معا فهذه الثنائية او الازدواجية لن تحل المشكلة او تنفي النقد، بمعنى اوسع فان الفرد لا يوجد السلطة ويعطيها شرعيتها فحسب، ففي النظم الديمقراطية فان الفرد هو من يصنع القانون ويعطيه شرعيته برضاه والفرد هو سيد ومسود .
اما الماركسية فحاولت ان تجد حلا لهذه الاشكالية فاحالت النقد والمشكلة الى الديمقراطية الغربية وانها ليست مشكلة الديمقراطية، والحل برايها هو ان الفرد ممكن ان يكون حاكما ومحكوما في آن واحد في حالة انتهاء وجود الطبقة ويكون المجتمع طبقة واحدة بمستوى واحد آنذاك يكون ممكنا ان يكون الفرد هو الحاكم والمحكوم، فالمشكلة وجودها مرتبط بوجود طبقات وانقسام المجتمع الى فئة حكام ومحكومين في النظم الليبرالية وان وجود الدولة باكمله مرتبط بالصرع الطبقي.
لكن الماركسية لم تكن خارجة عن النقد بطرحها الاساسي او نقدها على الديمقراطية الليبرالية فقد فشلت الماركسية في تحقيق نظامها وانهارت الدول التي عملت بالنظام الماركسي المغلق كما انها وعند التطبيق ولّدت تمايزا واضحا بين فئتي الحكام والمحكومين وزادت من تسلط وهيمنة السلطة الحاكمة التي كانت تقود المجتمع باكمله بما تراه دون ان تسمح بتقبل اي طروحات مغايرة فالنظم الماركسية استمدت وجودها من الفكرة اولا والقوة الثانية ولم تستمد وجودها من الشعب او رضاه او العمل لخدمته وتحقيق مصالحه التي يرغبها وانما ما تراه الفئة الحاكمة .
ثانيا:الجانب التطبيقي للديمقراطية، واول ما يتبادر الى الذهن عند الكلام عن الديمقراطية هو انها حكم الاغلبية، وهذا يعني ان تخضع الاقلية لحكم الاغلبية، لكن كم نسبة هذه الاغلبية، انها تعني اي رقم اكبر من خمسون بالمئة زائد واحد ، على الطرف الاخر ستكون الاقلية التي يجب عليها الخضوع للاغلبية نسبتها تبلغ خمسون بالمئة ناقصا واحد، فيكون الفارق هو صوت واحد او فرد واحد يفرض على الاقلية ان تخضع للاغلبية، فهل من العدل ان تجري العملية وفقا لذلك؟!.
وكيف يتفق هذا مع قبول التعدد ؟ فهل المراد من التعددية هو مجرد وجودها ام ان المنطق ان يشمل وجودها وفعلها وممارستها وتطلعاتها؟
ان ذلك يعني عمليا ان هنالك خمسون بالمئة من المجتمع الّا واحد يكون القرار والحكم غير ملبيا لها ولا يمثلها، لكن في النظم الديمقراطية تحاول التخفيف من حدة هذا باعطاء حقوق للاقليات وكوتات وحق فيتو على بعض المواضيع والقرارات والاخذ بنظر الاعتبار مصلحة الاقلية في القرارات، حتى بعض علماء السياسة ومن كتبوا او ناقشوا ونظروا في الديمقراطية يدركون هذا الخلل.
ينسب الى رئيس الوزراء البريطاني وينستون تشرشل قوله ان الديمقراطية قد تكون سيئة لكنها افضل النظم الموجودة.
تمكنت النظم الديمقراطية من تحقيق قدرا من المساواة والحريات والعدالة وتلبية رغبات المواطنين لكنها لم تتمكن من ان تحقق كل المثل التي نادت بها ويبقى الموضوع الاهم هو الاقليات وكيفية ضمان حقوقها وصوتها لكي يتحقق معنى حكم الشعب لنفسه بنفسه.

Hits: 0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى