ثقافة

الناس في السر غير الناس في العلن

وديع شامخ
بين السر والعلن مسافات ضوئية لا تختصرها الحروف ، بل تمتد الى الارواح والقامات وما تحمله من ثمر الفكر وبياض القلوب وهمة عالية لاختصار المسافة كي يكون التدوين على البياض بمثابة اعترافات تحمل سرها القدسي وعلنها التنويري .
كما تكون كشفا للسرائر مشفوعا بقوة علنية للافشاء الايجابي ، بمطابقة السري مع العلني ليكونا جناحي الفكرة والرسالة المراد ايصالها .
………..
السر يحمل سحره عندما يكون يؤدي الى كشف عرفاني، أو يحمل جوهر فكرة لا يمكن البوح بها حتى تلد في أوانها ، ويكون السر زاجل لا يفض بكارة خبره الى لمن يهمه الأمر ، ويكون قبحا عندما يتمرغ في اوحال الوشاية ويتربص ككلب بوليسي شرس يشم أثر طريدة سيده .
ويكون البوح علما أبيض عندما يكون كشفا لفرح ومصدر سعادة القلوب التي انتظرت هذا الطالع الجميل زمنا .. ويكون العلن سيدا وشمسا عندما يشير الى القبح بشمس اضابع واثقة .
وسيكون طالحا جدا عندما يكون نافورة دم ومقاصل واعواد مشانق للآخر ، خبرا يحمل غراب البين .
……………….
الناس اسرار وهذا من طبيعة الانسان ، وجوهر وجوده ، فهو ليس عار كسرير في الهواء الطلق ، والانسان مصدر أمانات بعضه له وللآخر حصة منها ، فقضاء بالحوائج بالكتمان يحمل فروسية المحتاج وقاضي الحاجة معا ، وإفشاء الأسرار مجلبة لسوء الطالع للطرفين ..
قيل أن نابليون بونابرت عند انتصاره في احد المعارك لجاسوس كان السبب في انتصار جيشه ، انت لا تستحق مجد مصافحتي ويكفيك كيس ذهب ، لاني لا احترم من يخون بلاده ..
ولعل شاعرنا الكبير السياب تنبه الى موضوع الخيانة المتعلقة بافشاء اسرار الوطن ايضا في قوله :
إني لأعجب كيف يخون الخائنون
أيخون أنسان بلاده ؟؟
………….
هكذا تطور موضوع السر والعلن ورغم وجودنا في قرية كونية بمفهوم ثورة الإتصالات الحديثة وسعيها الحثيث لاقتحام خصوصية الكائن وجعله يعيش رعبا هائلا من انتهاك اسراره والتلصص المتقن علميا على ادق خصائصه في نظام مراقبة شامل ، نقول برغم كل هذه الاستباحة ، ولكن الخصوصية بقى لها النصيب الواقعي ، ففي وسائل التواصل الاجتماعي ثمة حوارات عامة ومواضيع تنشر للقراءة للجميع وهناك حقل خاص يتداول فيه الاصدقاء الافتراضيين والحقيقين اسرارهم وخواصهم ..
ولعل الخطر المهم ليس في انتهاك سر الاخر بواسطة قرصنة الكترونية ، لانها ستكون مبررة نوعا ما ، ولكن الخطوة والمسؤولية تكمن في خرق الانسان لميثاق السر والعلن في علاقته بالطبيعة والوطن والانسان .
…………………
من هذا الفراغ الهائل في النفس البشرية وتحولها الى غابة موحشة ، نشأت مفاهيم مثل القطيعة ، الخيانة ، العقوق ، التهتك ، التلصص ، الفضول ،الجاسوسية ، ولعل الوشاية تمثل الحقل الارحب والعباءة التي تلتف بها اجساد هذه التمثلات بامراضها وافرازاتها الفاتكة لاسرار الاخرين ، حتى يصبح البوح داءً سرطانياً لا يمكن ايقافه، كلما سرت نيرانه في هشيم غابة الانسان .
لا معطف للهتك او السر ، فالنزعتان ترتبطان شرطيا بجملة من العوامل النفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية وحتى الوراثية ، لتشكل طبائع الكائن البشري ونوازعه تجاه نفسه اولا والآخر ثانيا.
وجلّ ما نخشاه ان يتحول الكائن الى قنبلة موقوتة لافشاء الاسرار واندلاع الحرائق ، الى خفاش الليل ، الى بئر لصناعة اهدار السر في سوق الاباحة ، الى نطفة سائغة في ارحام مؤجرة لولادة المسوخ ..
السر نعمة والبوح نعمة ، نعمتان لا يصح استباحتهما إلا بالوفاء ..
ولا يصح وقوعهما ككارثة مثل ما يقول شاعرنا الرصافي الكبير :
ولا يخدعنّك هتاف القوم بالوطن
فالقوم في السرّ غير القوم في العلنِ

Hits: 0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى