مقالات

رأس المال المعرفي ودوره في تطوير مؤسسات الدولة

د . احمد حميد الكلكاوي

تهتم الإدارة الحديثة بالموجودات المعرفية إلى جانب اهتمامها بالموجودات المادية، لان تعظيم ثروة المنظمة يأتي بفعل الموجودات المعرفية، وقد أدرك رواد الإدارة حقيقة مفادها أن قيمة المنظمات تعتمد على شيء ما غير رأس المال المادي أو المالي وهو رأس المال المعرفي أو الفكري (Intellectual Capital) ويرمز له (IC) الذي ظهر في تسعينات القرن الماضي ويعد رأس المال المعرفي ممثلاً حقيقياً لقدرات المنظمات على المنافسة وتحقيق النجاح بعد أن عدت المصادر المادية الثروة الحقيقية للمنظمات قبل هذا التاريخ.
وهذا لا يعني أن رأس المال المعرفي لم يكن موجود قبل هذا التاريخ ولكن لم يتم البحث به وكان يستخدم تحت تسمية (شهرة المحل) وتحت هذه التسمية تدرج كل الموجودات غير الملموسة من قبل المحاسبين وتظهر في الميزانية، ولكن هذه الشهرة في حقيقية الأمر لم تتطرق لجميع الموجودات غير الملموسة بل كانت طريقة لتهرب المحاسبين من صعوبة قياس رأس المال المعرفي ذاته .
ومما يجدر الإشارة إليه ولم يتطرق إليه الكتاب والباحثين بشكل عام والعرب بشكل خاص إن الإمام علي ابن أبي طالب عليه السلام له مقولة يقول فيها:
( سألت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عن سُنته فقال: المعرفة رأس مالي, والعقل أصل دِيني, والحب أساسي, والثقة كَنزي, والحزن رفيقي, والعلم سلاحي,¬ والصبر ردائي, والرِّضا غنيمتي, والفقر فخري, والزُّهد حِرفتي, واليقين قوَّتي, والصدق شفيعي, والطاعة حسْبي, والجهاد خُلُقي, وقُرَّة عيني في الصلاة).
كان التصور في الماضي أن من يقدمون المساهمات المالية لتكوين الشركات ومنظمات الأعمال هم أصحاب رأس المال، ولكن الواقع الجديد يطرح حقيقة أخرى أهم، أن من يملك المعرفة يملك المنظمة. إن رأس المال المعرفي يقدمه أصحاب المعرفة، فهم أصحاب رأس المال الحقيقي والأهم. فازدياد حدة المنافسة ، والتقدم التكنولوجي ، والتطور في النظم الإدارية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية ، والتوجه نحو الزبون من خلال ضرورة البحث الدائم من قبل المنظمات عن مفاهيم وطرائق جديدة لإدارة الموارد باستخدام أنظمة حديثة ويكتسب موضوع إدارة رأس المال المعرفي أهمية متزايدة اليوم باعتباره النشاطات أو العمليات التي تساعد على اكتشاف وتدعيم تدفق القدرات المعرفية والتنظيمية للأفراد،وتمكنهم هذه القدرات من إنتاج منتجات جديدة للمنظمة،ومن ثم توسيع حصتها السوقية من جهة وتعظيم نقاط قوتها من جهة أخرى،وتكسبها ميزة تنافسية تميزها عن غيرها . وتسعى المنظمات المعاصرة في ظل البيئة شديدة التنافسية إلى كسب ميزة تنافسية على غيرها من المنظمات العاملة في نفس النشاط، وذلك من خلال إضافة القيمة وتحقيق التميز عن طريق استغلال الطاقة المعرفية والعقلية للأفراد.وتؤدي إدارة رأس المال المعرفي دورا هاما في جعل الأصول غير المادية ميزة تنافسية من خلال تدعيم الإمكانيات والطاقات البشرية ومساعدتهم على اكتشاف وتدفق إمكانياتهم المحتملة وحتى يمكن لإدارة رأس المال المعرفي المساهمة في تحقيق وتدعيم الميزة التنافسية للمنظمة يجب أن تقوم بإعداد برامجها المختلفة في إطار إستراتيجية منظمة من جهة ووفق متطلبات عمل المنظمة من جهة أخرى. ولغرض توضيح وتفصيل أكثر لدور رأس المال المعرفي في دعم وتطوير مؤسسات الدولة سنتناول أساسيات حول الموضوع وتوضيحا لأهمية رأس المال المعرفي.
1 ـ مفهوم رأس المال المعرفي: بات ما يعرف برأس المال المعرفي في عصرنا الراهن يستقطب الاهتمام المتزايد من قبل إدارة الموارد البشرية والقيادات الإستراتيجية للمنظمات الطامحة إلى صياغة وتنفيذ خططها الهادفة للتطور والنجاح الدائم في عالم تتقاذفه تحديات العولمة وضرورة تحقيق الميزة التنافسية خلال مناخاتها المعقدة ومتغيراتها السريعة التي لا يرقى إلى مواكبتها و لا يتكافأ مع تحدياتها الديناميكية سوى أصحاب العقول المتوقدة من المبدعين والموهوبين والخبراء ذوي التأهيل العلمي العالي .
لذلك فإن الحكومات والدول المتقدمة أخذت تتسابق بشكل محموم ومصيري في استثمار المزيد من الأموال والموارد في تنمية ثرواتها البشرية والمعرفية وتعتبر ذلك خيارها الاستثماري الرابح دائما و الذي لا يخيب أبدا .
استنادا لما تقدم يمكن القول أن رأس المال المعرفي أصبح أهم مصدر لتعظيم الموجودات الأخرى في المنظمات لأنه المحفز لزيادتها وتطويرها لتحقيق النجاح والمنافسة.
أن المشكلة التي يواجهها الباحثون تشير إلى عدم وجود اتفاق حول مفهوم رأس المال المعرفي ومع ذلك أعطوا أفكار ومفاهيم عامة لهذا الموجود غير الملموس ونلاحظ أن هناك اتجاهات متعددة تناول فيها الباحثون مفهوم رأس المال المعرفي فمن اتجه نحو تعريفه بمكوناته بينما اتجه فريق آخر وعرفه بوصفه معرفة قابلة لإضافة قيمة ولا تعد كذلك إلا إذا استثمرت، ونرى باحثين آخرين وصفوه بأنه علاقة تبادلية بين المعرفة والمعلومات وهناك من نظر لرأس المال المعرفي من قيمته المتمثلة كونه يمثل الفرق بين القيمة الدفترية والقيمة السوقية ووصفت كتابات أخرى كونه مصدر لتحقيق الميزة التنافسية.عليه يمكن القول أن رأس المال المعرفي لا يمكن أن يعرف بمكوناته فهذه المكونات فرعية وتسمى بأسمائها وأبعد من أن يعرف بموجوداته المعرفية لأنها نتاج له وليس هو، ويستدل من هذا التباين أن هذا المفهوم ما يزال يستوعب إسهامات جديدة تعززها التجارب الميدانية بغية تأطيره ضمن إطار مفهومي متكامل يتعدى التنظير الفلسفي.وعلى ضوء ما ورد من مفاهيم وتعاريف لرأس المال المعرفي يمكن تعريف رأس المال المعرفي (هو ما تمتلكه المنظمة من قدرات متفردة تولد نتاجات ابتكاريه وإبداعية تسهم في زيادة القيمة المقدمة لزبائنها وتحقق لها الميزة التنافسية).
2 ـ مكونات رأس المال المعرفي:اختلف الباحثون والكتاب في تحديد مكونات رأس المال المعرفي وهذا الاختلاف كان نتيجة لأسلوب تفكيرهم ودراستهم للموضوع كلاً حسب تخصصه ورأيه ويلاحظ  أن الباحثون قد قسموا رأس المال المعرفي أنواع متعددة ومختلفة واستخدموا مصطلحاتهم الشخصية في هذه التطبيقات لإيصال كل منهم فكرته للمتلقي . ولا يوجد أتفاق عام حول المكونات الرئيسة والفرعية لرأس المال المعرفي إلا أن أغلب الباحثين اعتبر أن المكونات الرئيسية لهذا الموجود غير الملموس هي:
– رأس المال البشري: هو المصدر الأساس لتكوين وتشخيص الإفراد الذين يمتلكون المقدرة العقلية والمهارات والخبرات اللازمة لإيجاد الحلول العلمية المناسبة لمتطلبات ورغبات الزبائن لأنهم مصدر الابتكار والتجديد في المنظمة.
– رأس المال الهيكلي: العمليات، الهياكل، نظم المعلومات، والملكية الفكرية التي هي مستقلة عن الموظفين والمدراء والذين هم أنشئوها.
– رأس المال الزبائني (العملاء): قيمة وعلاقات المنظمة مع زبائنها، بما فيها ولاء العملاء،قنوات التوزيع،الترخيص ،العلامات التجارية والامتيازات. لأن الزبائن غالبا يشكلون علاقات مع البائعين.      
3 ـ إدارة واستثمار رأس المال المعرفي: للأهمية التي يحظى بها رأس المال المعرفي في منظمات الأعمال لاسيما في الوقت الحاضر وهو القوة الكامنة وراء التنافس في اقتصاد المعرفة كونه العامل الأساسي للابتكار والإبداع لذلك يوجب على إدارات منظمات الأعمال أن تدرك أهمية إدارة رأس المال المعرفي واستثماره بعناية، وبما أن رأس المال المعرفي يعد جوهر إدارة المعرفة الشاملة لذلك يجب تتبعه وإسناده والمساعدة في توليده، وهذا يعني توفر إدارة قوية تعمل بأقصى ما يمكن من أجل ضمان استثمار رأس المال المعرفي والمحافظة عليه.
أن العديد من المنظمات لديها غموض عن مقدار ما يستثمر في رأس المال المعرفي وما يمكن أن تحصل عليه من تلك الاستثمارات وكذلك فإن الأنظمة المحاسبية والمالية غير قادرة على تقدير استثمارات رأس المال المعرفي حتى بعد تحديدها فالمستثمرون لا يستطيعون التمييز بين كلفة رأس المال وبين الاستثمارات المالية والمعرفية بسبب تداخل هذه الاستثمارات، ولكن تبقى الرغبة في الحصول على الموجودات غير الملموسة لزيادة كلفة رأس المال لأجل السيطرة على الإيرادات المستقبلية للمنظمة ففكرة توليد إيرادات إضافية من المعرفة تؤكد على أن أي قيمة لرأس المال المعرفي تقع في استخدامه وليس في كلفته ولذلك فأي قيمة مضافة من خلال المعرفة تكون ثمينة وعلى المنظمات إيجاد طرق لاستخدام هذه المعرفة التي هي موجودة أصلاً واحتمال أنها لم تستثمر بصورة كافية على أن تأتي هذه القيمة من التطبيق وليس من الخزن لذا استوجب على المنظمات أن تسعى إلى استثمار رأس المال المعرفي بالتركيز على جانبين أساسين هما :
ـ تصميم هياكل تنظيمية مرنه حيث يعد الهيكل التنظيمي المرن هو الهيكل الذي يستجيب للمتغيرات البيئية ويشجع الإبداع ويغلب على إدارته النمط اللامركزي الذي يؤدي إلى سرعة التنفيذ أن هذا النوع من المنظمات يمتاز بوجود جماعات وفرق عمل يتمتع أعضائها بدرجة عالية من الاستقلالية التي تسهم في تحقيق التمييز والتفوق في الأداء.
ـ استخدام تقنية المعلومات التي تعد من العناصر الأساسية في نجاح المنظمات إذ تسهم في بناء وتصميم الإستراتيجية التنظيمية من خلال توفير المعلومات داخل الوحدات التنظيمية من وإلى البيئة الخارجية المتمثلة بتلك المعلومات التي تعزز الترابط والتكامل بين الوحدات التنظيمية والزبائن والموردين والمجهزين.
لذلك فإن الحكومات والدول المتقدمة أخذت تتسابق بشكل محموم ومصيري في استثمار المزيد من الأموال والموارد في تنمية ثرواتها البشرية والمعرفية وتعتبر ذلك خيارها الاستثماري الرابح دائما و الذي لا يخيب أبدا.
إن المنظمات المعاصرة تنظر إلى مواردها البشرية على أنها أغلى الموارد وأكثر الموجودات قيمة وهذا ما يدعونا إلى التيقظ لهذه المؤشرات والمعطيات الخطيرة وتوظيفها عملا وفعلا ولاسيما بتخصيص الموازنات المالية التي تتوازى أهميتها المتصاعدة مع تصاعد منحنى الثورة المعرفية والمعلوماتية وإفرازات اقتصاد المعرفة في العالم المتقدم .
إن اتخاذ المعرفة طريقا للتطور وإرتياد ركب التقدم لابد إن يكون على ثلاث محاور المحور الأولى يشمل الاهتمام بتوفير التعليم كعامل من عوامل اكتساب وتطوير التكنولوجيا , المحور الثاني يتركز على ربط متطلبات سوق العمل بنوعية التعليم من حيث الكم والتخصص , المحور الثالث يتمثل في حق كل فرد بالمجتمع في الحصول على التعليم الكافي الذي يجعل منه قيمه إنسانيه قادرة على توجيه سلوكه للتكيف مع نفسه ومع مجتمعه , لكن حتى لو استطعنا الوصول إلى صياغة جيده لتلك البيئة التي نصفها بالملائمة إلا إن هناك عقبات كثيرة ستقف حائلا بيننا وبين ما نصبو إليه , أهم تلك العقبات عدم وجود منظومة إصلاحية تعمل جنبا إلى جنب مع المنظومة التعليمية , ونقصد بالإصلاحية تكييف النظم واللوائح والتعليمات لتتماشى مع نفس الخطى , حيث يمثل الكثير منها حجر عثرة إمام التقدم والتنمية , وخاصة فيما يتعلق بأسلوب عمل الجهات الرقابية المختلفة , بالإضافة إلى اختيار القيادية العليا وما يمكن إن تحدثه هذه القيادات من تغيير وتقدم إن كانوا من المبدعين والموهوبين في الإدارة , أو ما يحدثوه من تأخر وتخلف في حال عدم امتلاكهم للخبرة والمعرفة, فسعي المجتمعات إلى الاهتمام بالمعرفــة وإدارتها وأهمية الاستفادة المثلى من مواردها البشرية وتشجيعهم وتهيئة المناخ المناسب لتحفيزهم على الابتكار والإبداع وخلق القيادات الشابة من شأنها تطوير العمل المؤسساتي وضمـان لمواجهـة التحديــات المعاصـرة.

Hits: 2

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى