مقالات

أردوغان .. الجيش وجرابلُس

امين يونس

رُبّما بسبب الترسُبات القديمة والتراكمات السابقة ، الناتجة عن قرون عديدة ، من الإحتلال العثماني لبلادي ، وحُكمهم المُتخلِف المُستبِد … فأنني لا أحبُ الجيش التُركي والجندرمة التُركية … ورغم أنني شخصياً ، لم أرضخ لسطوتهم ، إلا أن تناقُل أخبارهم من جيلٍ إلى جيل ، إضافةً إلى قراءتي المتمعنة للتأريخ ، وّلَد عندي قناعةً ، بأن السُلطة التركية ، متمثلة بالجيش والجندرمة ، هي عنوانٌ للقساوةِ والبداوةِ والعُنصرية والعنجهية الفارغة .
هذا هو رأيي كعراقي أولاً وككردي ثانياً … ورُبما هنالك الكثيرون يُشاطرونني الرأي .
…………………
لكن بالنسبة للأتراك أنفُسهم ، فأن الجيش الجديد الذي رعاهُ كمال أتاتورك ، وحافظَ على ما تبقى من الكرامة الوطنية ، بعد هزيمة الإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الاولى ، لهُ مكانةٌ عالية وتقديرٌ كبير . وبغض النظر ، عن آرائي الشخصية بالجيش التركي ومسؤوليته عن مقتل عشرات الآلاف من الكُرد في تركيا وكذلك التنكيل بالمُعارضة اليسارية .. فأن المؤسسة العسكرية تلك ، طالما كانتْ تحمي " علمانية " الدولة . صحيح ان الضباط الكبار ، كان عندهم دوماً إمتيازات إستثنائية ولا سيما أبان الحروب والمعارِك ، وصحيحٌ أيضاً ، ان الجيش كان هو الحاكم الفعلي للبلد طيلة عقود ، ويقوم بالإنقلابات حين يرى ذلك ضرورياً ، لإدامة سيطرته … لكن الإستقرار " النسبي " للبلد ، والدخول المُبكِر لحلف الأطلسي ، والتفّوِق على الجار اللدود ، اليونان ، في كافة المجالات .. وحتى إحتلال جزء من قبرص قبل أكثر من أربعين سنة والإحتفاظ به … كُل ذلك ، يُحسَب للمؤسسة العسكرية .
بذل أردوغان جهوداً حثيثة ، لإضعاف سيطرة الجيش على مقاليد الأمور ، بل سعى إلى تغيير بعض فقرات الدستور في ذلك الإتجاه ، وخلال السنوات العشر الماضية ، قّدمَ العديد من كِبار الضُباط الى المٌحاكمة بتُهم الإشتراك في المؤامرات أو الفساد .
لكن المحاولة الإنقلابية الفاشلة في تموز 2016 ، كانتْ المناسبة ، ليسَ فقط لتقليم أظافِر الجيش وكسر أنيابه ، بل لإهانتهِ علناً ، وتمريغ كرامته في الوحل أمامَ الكاميرات ! .
لم يكُن منظر الضُباط الكبار ، وهُم يُجَرجَرون مِنْ قِبَل عناصر الشرطة المدنية ، مُسِراً للكثير من الأتراك التقليديين . ولا أخبار هروب ضباط ومراتب في الجيش إلى اليونان وغيرها من الدول ، مُفرِحاً لعموم الأتراك .
………………..
بلدة " جرابلس " الملاصقة لمدينة قامشلي ، تبعد عن الحدود التركية ( شَمرة عصا ) لا غير . ولقد اُحتٌلَت من قِبَل داعش قبل أكثر من سنة . ولو أرادتْ تركيا الأردوغانية ، ان تمنع داعش في حينها ، فأنَ ذلك لم يكُن صعباً على الإطلاق بكُل المقاييس . لكن ثبت للقاصي والداني ، تواطُؤ وتعاطُف ودعم النظام التركي ، لداعِش .. فجرابلس كانتْ من المحطات المُهمة لعبور " الارهابيين " القادمين من أنحاء العالم الى سوريا والعراق، ومَمراً لإيصال " المُساعدات " الخليجية ، تلك المساعدات المميتة التي قتلت مئات اللآلاف من السوريين والعراقيين .
والآن .. كَم كانَ إخراج مسرحية ( تحرير ) جرابلس ، سخيفاً وبليداً وساذجاً ؟ فما يُسّمى " جيش سوريا الحُر " الذين هُم مُجرَد مُرتزقة أوباش يهربون عند أول مُجابَهة .. جيش سوريا الحُر هذا ( حّرَرَ ) جرابلس من داعِش ، خلال بضع ساعاتٍ فقط ! . بدعمٍ من الدبابات والمدفعية والقوات الخاصة التركية .
أنهُ أيها السادة : تسليمٌ وإستلام . كما سّلمتْ تركيا وجبهة النصرة ، جرابلس إلى زملاءهم من داعش ، قبل أكثر من سنة .. فاليوم إنتهى دَور داعش ، فسّلموا الأمانة إلى تركيا وعملاءها . وما قصف الطائرات والدبابات وبعض التفجيرات هنا وهناك ، غير ذّر الرماد في العيون .
………………..
إلى جانب .. قطع الطريق على " قوات سوريا الديمقراطية " ومنعهم من الوصول الى جرابلس والباب وحرمانهم من الإتصال بعفرين …
فأن أردوغان ، يُحاوِل إعادة كسب ثِقة الجيش التركي ، ومُغازلة الجنرالات الذين اُهينتْ كرامتهم مُؤخَراً .
لكن إذا تمادى أردوغان وعبرتْ قواته مدينة جرابلس وإقتربتْ من حلب … فسيكون بذلك قد غاصَ فعلاً في مُستنقعٍ ، لن يخرج منهُ مُعافى مُطلَقاً .
إيران تُحارِب في سوريا بالوكالة ، من خلال حزب الله وميليشيات شيعية أخرى …
أمريكا تُحارِب من خلال الطائرات والخبراء وقوات سوريا الديمقراطية وفصائل أخرى …
روسيا تُحارِب من خلال الطائرات والخبراء ودعمها ورعايتها للنظام السوري …
السعودية ودول الخليج ، من خلال دعمها المتنوع للجماعات المتطرفة وداعِش …
لكن كُل هؤلاء ، لم تدخل جيوشهم " رسمياً " في أرض سوريا … عدا الجيش التركي الذي دخلت دباباته الى جرابلس قبل يومَين .
رغم مُؤشرات تواطؤٍ دولي وقبولٍ ضمني من أمريكا وروسيا والغرب عموماً ، بالخطوة التركية .. فأن هنالك مُؤشرات أيضاً بتوريط تركيا بالوحل السوري اللزج ، كما تورطت السعودية بالمستنقع اليمني الذي لاتعرف كيف تخرج منه .

Hits: 0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى